حيدر حب الله
78
شمول الشريعة
الحال أن يكون الله قد كلّف الإنسان باستخدام عقله في بعض مساحات أفعاله ، بحيث قد يخطأ وقد يصيب لوح الواقع ( ولا أقصد الواقع التشريعي فقط ، بل الواقع التكويني أيضاً ) ، وعلى تقدير الخطأ فيكون حاله حال من لم يصب الواقع التشريعي ؟ ! وبعبارة أخرى : إنّ الشريعة في هذه الحال لن تكون سوى مخبر عن طبيعة العلاقة التكوينية بين الأفعال ونتائجها الأخرويّة ، وقد يصيب الإنسان في فعله وقد يخطأ ، والمفروض أنّه في حال الخطأ المبرّر لا يترتّب عليه العقاب ، وعليه فما المانع أن يوكل الله مهمّة تنظيم بعض الأعمال لعقول العباد ، ولو بدعوى أنّهم ولو لم يدركوا طبيعة العلاقة بين الفعل الدنيوي والأخروي ، لكنّ طريقتهم الدنيوية في التنظيم قريبة جداً من إصابة هذه العلاقة التكوينية ، ولو لم يعرفوا ذلك ، ومن ثمّ فحيث إنّنا لا نعرف طبيعة هذه العلاقة التكوينيّة فإنّ نفي هذا الاحتمال سيكون عسيراً علينا أيضاً ، ومع العجز عن نفيه يصبح من الصعب تكريس هذا الاستدلال هنا . وبعبارة ثالثة : كما أعطت الشريعة الحقّ للعقل في الاجتهاد في فهم النصوص ومنحت الظنَّ الحجيّة ، دون أن يؤثر ذلك على الطبيعة العلائقيّة بين الفعل الدنيوي والأثر الأخروي رغم احتماليّات الخطأ ، فكذلك يمكن أن تمنح الحقّ للعقل في التقنين الدنيوي المحض ، ولو من خلال سكوتها عن توظيف العقل في مساحات الفراغ الحقيقي ، علماً منها أنّ هذا العقل في صراط هذا التقنين سوف يصيب بدرجةٍ كبيرة الآثارَ الأخرويّة المنشودة ، وفي موارد الخطأ سوف يكون معذوراً ، فلن تلحقه النتائج الأخرويّة السلبيّة ، تماماً كما لم تلحق المخطئ في الاجتهاد أو عند اعتماد الظنون . وبهذا لا يمكن أن يشكّل هذا الاستدلال برهاناً على امتناع تفويض العقل في التقنين وحصر الحقّ بالله تعالى مباشرةً . 9 - من التوحيد الربوبيّ إلى حصريّة التقنين الإلهي يعتمد الشيخ جعفر السبحاني وآخرون على مقاربة خاصّة هنا ، ينطلقون فيها من أنّ أدلّة التوحيد في الربوبيّة التكوينيّة تثبت بنفسها التوحيد في الربوبيّة التشريعيّة ؛ فإنّ التوحيد في الربوبيّة التكوينيّة يعني أنّ المتصرّف والمدبّر لأمور الإنسان هو الله سبحانه ، وأنّه لم يفوّض أيّ شيء لغيره في إدارة الوجود والحياة ، وحيث إنّ الربوبيّة التشريعيّة تعني تدبير الحياة التنظيميّة